X
X
X
X

تفاقم الاقتصاد الغير رسمى بسبب الازمات العالمية

مؤتمر الجمعة 11 ديسمبر 2020 الساعة 08:48 صباحاً

كتب حسن عباس

 يتكون الاقتصاد الفعلي في أية دولة من مجموع معدلات نمو الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي باعتبار أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل المكون الثاني في الاقتصاد وليس بالضرورة أن تكون معدلات النمو في الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي واحدة فقد ينمو أحدهما بنسبة تفوق نمو الآخر وتكمن مشكلة الاقتصاد غير الرسمي في أن البيانات التي تعكس وضع الاقتصاد الرسمي غير دقيقة مما يؤدي إلى التقليل إلى حد كبير من فعالية السياسات الاقتصادية وبالتالي يؤثر ذلك على النمو الاقتصادي كما يؤثر الاقتصاد غير الرسمي على التخطيط للتنمية المستدامة من خلال الثروة الكامنة غير المصرح بها الموجودة فيه والتي تختلف حسب خصوصية كل دولة  ويدار الاقتصاد غير الرسمي من خلال تبني إستراتيجية تنموية تقوم على تبسيط إجراءات وخفض تكاليف ممارسة الأعمال التي تختلف على حسب أنظمة وقوانين كل دولة و لكن تغيرت أسس ومحاور القوة الاقتصادية للأمم والشعوب و أصبح الاقتصاد المعرفي مورد يمكن الاستفادة منه واستخدامه في توفير الثروة وتعزيز جودة الحياة كأحد أهم المعايير الأساسية المحددة لتطور الدول وتقدمها و بات يشكل القوة الاقتصادية في عصرنا الحالي بالاضافة إلى نشوء أشكال جديدة تماماً من التفاعل الاجتماعي والاقتصادي وقيام مجتمعات جديدة والاقتصاد المبنى على المعلومات وهكذا أصبحت التكنولوجيا والمعرفة هما العاملان الرئيسان للنمو والتنمية المستدامة ثم تأتى من بعدها الثروات المادية الكامنة فى باطن الأرض أو على سطحه كما يبرز العامل السكاني بمعدلاته المرتفعة وبما يشكله من ضغوط على الموارد  وضعف مستوى استغلال واستثمار القدرات الإنتاجية  وارتباك عملية التنمية بصورة أدت عملياً إلى عدم نمو أهم متغيراتها الاقتصادية والإنمائية كما ان التحول في النظام الاقتصادي من اقتصاديات الانتاج الكمي الى اقتصاديات المعلومات والمعرفة أوجدت مفردات ومعايير جديدة تساهم في تحقيق الارباح والحصول على القيمة المضافة للمشاريع وهذه المفردات ذات خصائص غير ملموسة وخلاصتها المعرفة واصبح تاثيرها ذو أهمية كبيرة على نجاح وتطور المشاريع  وتجاوز الاركان الثلاث الاخرى وهي ( الملكية وراس المال والعمل ) ومع رفع قيمة المشاريع بمعدلات متزايدة اضافة الى منح دور اكبر للاصول غير الملموسة كالافكار والعلامات التجارية ضمن القوائم المالية مما أدي الي ارتفاع تاثيرها على اسعار تداول الاوراق المالية في السوق المالي بسبب القيمة المضافة من المعرفة المولدة لهذه الشركات مما تسبب في ان تظهر اسعار الاسهم في السوق المالي وأصبحت تمثل عشرة اضعاف او اكثر من قيمة اصولها الدفترية في السجلات المحاسبية الذي يزيد قيمة الاصول غير الملموسة حيث عملية اتخاذ القرار تعتمد على حساب القيمة المتوقعة للمعلومات الكاملة والقيمة لمعلومات العينة ( عقود الآجلة والمستقبلية وعقود الخيارات) بسبب تفعيل المعرفة المولدة مقارنة بالصناعات التقليدية مع تحقيق القدرة على تحقيق النمو المتسارع في الاقتصاد مما ادي إلى إضعاف الحوافز لنمو قطاع السلع القابلة للتجارة ومع تزايد القيود التي فُرضت على التجارة و أيضا مصادر خلق فرص العمل تتقلص مما ادي الي رمي الكرة في ملعب المجتمعات لكي تعتمد الكتل الاجتماعية التي يتعيّن عليها تحسين مستوى معيشتها دون تأمين مناخ ملائم للتنمية والاستثمار و أيضا حصة الفرد في التكوين الرأسمالي فقد انخفضت كما انخفضت حصته من الاستهلاك النهائي و هذا وضع تحدياً جديداً أمام حركة التنمية مما يتطلب إعادة النظر بهيكلية الاقتصاديات وبأسلوب إدارتها في ظل التبدلات العميقة في الاقتصاد الدولي وظهور تحديات من نوع جديد تواجه اقتصاديات البلدان بصفة عامة . 

ومع محاولات الدول الصناعية الرأسمالية إحكام سيطرتها على الأسواق الدولية وفرض هيمنتها على العالم النامي بل وأكثر من ذلك فإن هذه الدول التي تصرح بأنها تعمل لتحقيق وحدة الاقتصاد الدولي ومثل هذا التحول الجديد على الساحة الدولية يضع البلدان النامية جميعها أمام تحديات مصيرية حقيقية لا يمكن لها أو لأي منها أن يواجهها بصورة منفردة لذلك هناك انخفاض في معدلات النمو الاقتصادى وتزايد حدة البطالة وهجرة رأس المال المادى والبشرى من الاقتصادات النامية مع العديد من المشكلات الاخري وتفرض ضرورة وضع الناس في صميم البعد البيئي للتنمية المستدامة على النحو المبين في خطة للتنمية المستدامة لعام 2030 لمواجهة التحديات التي تواجهها البشرية بحيث يمكن أن يلبي الكوكب احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية و التشديد علي ضرورة  تطبيق استراتيجيات وخطط الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف وغير ذلك من الأهداف البيئية المتفق عليها دولياً و دمج البيئة في التنمية المستدامة بأسلوب ثابت له نفس القدر من الأهمية للحفاظ على الحياة النباتية والحيوانية وتوفير مجموعة كبيرة من خدمات النظم الايكولوجية …  مهما تغيرت المسميات فإن الدول الكبرى تضع يدها على خيرات دول العالم الثالث بما في ذلك الاقتصاد والثقافة والمجتمعات وبطرق متنوعة بداية بالتبعية التكنولوجية إذ أن الدول الكبرى تلزم بلدان العالم الثالث  بشراء التكنولوجيا وشراء كل مستلزمات التكنولوجيا لاحقاً والأدوات المصاحبة لها فى تفصيلات الحياة اليومية بصفة مستمرة منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي مما شكل ضغوط على الموارد  وضعف مستوى استغلال واستثمار القدرات الإنتاجية  مما أدي الي افتقار الإصلاحات العميقة  في دول العالم الثالث التي تعتمد على المشاركة الاجتماعية الحقيقية التي يتعيّن عليها تحسين مستوى معيشتها دون تأمين مناخ ملائم للتنمية والاستثمار كما اعتمد صانعو السياسات في مرحلة الاستقلال و التحرر نماذج تنموية ارتكزت على تخطيط مركزي للأولويات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات إعادة توزيع وتحقيق العدالة الاجتماعية واسعة النطاق تضمنت هذه الاستراتيجيات تأميم العديد من الموجودات الخاصة وبهذا انتكست الإصلاحات المتوالية بسبب اتخاذ منهجية سياسة إعادة توزيع الثروات واسعة النطاق بشكل متكرر و الإعتماد على مصادر المساعدات والتحويلات المالية للعاملين في الخارج و كان ذلك سببا رئيسيا في ظهور الاقتصاديات الغير رسمية و توسعها .
استحدث مصطلح الاقتصاد غير الرسمي في بداية السبعينيات من القرن الماضي و لا يوجد تعريف محدد له ولكن اعتبره الرسميون انه هو إجمالى قيمة الأنشطة الاقتصادية التى تجرى بمعزل عن التسجيل القانونى لدى الدولة  … اى أن الاقتصاد غير الرسمي هو مجمل الأنشطة الاقتصادية التى تغيب عن نظر الدولة ولا تظهر فى سجلاتها ولا تخضع لتنظيمها ولا لرقابتها ولا لتحصيل الضرائب منها ويضاف كبر حجم الاقتصاد غير رسمي والقيمة المضافة المتأتية منه إلى جملة التأثيرات السلبية التي يسببها نقص البيانات الذي تشكو منه كل الدول النامية و يعتبر الاقتصاد غير الرسمي هو ذلك الاقتصاد الذي لا يخضع للرقابة الحكومية ولا تسجل مدخلاته ومخرجاته في سجلات الحسابات القومية ولا يعترف بالقوانين والتشريعات الصادرة كما انه ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية تعاني منها وبدرجات متفاوتة كل أنواع الاقتصاديات في العالم  فالاقتصاد غير الرسمي هم افراد ليسوا عاطلين عن العمل لكنهم يعملون مقابل عوائد غير منتظمة ومخفية عن التنظيم الإداري  وهذا ما يزيد من حجم الأعباء الملقاة على عاتق واضعي السياسة  في ظل اقتصاد معولم تحتدم فيه المنافسة بين الشركات وتسعى فيها للبحث عن الكفاءة بأقل تكلفة يتزايد الاعتماد على العمالة قليلة التكلفة وهذا ما يتيحه الاقتصاد غير الرسمي كالتعاقد من الباطن وغيرها من أنواع العمل والعمالة  وعلى نطاق أوسع في ظل محدودية الاقتصاد الرسمي في توليد فرص العمل وضمن متطلبات دمج استراتيجيات التنمية المستدامة ضمن الخطط التنموية للاقتصاد و مع تفاقم الازمات المالية العالمية و اتخاذ منهجية سياسة إعادة توزيع الثروات واسعة النطاق بشكل متكرر سوف تضطر الشركات المتوسطة و الصغيرة إلي إتخاذ خطوات تصويبية كونها أحد الأطراف الأساسية الفاعلة في تكوين البنية  التحتية للاقتصاديات الصاعدة و كذلك حفاظا علي ثرواتها المتواضعة أمام عمليات  التباديل والتوافيق التي تقوم بها الشركات الكبري في العالم لمواجهة الانهيارات في مثل هذه الظروف التاريخية التي تتسم بالتوتر و القلق و إرتفاع معدلات التضخم ونسب العجز في الحسابات الجارية و التراجعات الائتمانيه وأصبحت المخاطر المالية قصيرة الأجل هي أكثر المشكلات إلحاحا ونتيجة لذلك حتما ستتغير نظم الإدارة الاقتصادية ومفاهيم الاستثمار ليحتوي علي مفاهيم إجتماعية جديدة و لما كانت الأنشطة غير الرسمية هى صاحبة النصيب الأكبر من توليد الدخل حيث هناك شريحة كبيرة من الشباب كأصحاب مشاريع صغرى أو عاملين و ذلك هو الخيار الوحيد أمامهم و ربما زاد حجم القطاع غير الرسمي زيادة ملموسة علي أثر الازمة المالية العالمية في ٢٠٠٨ و التغييرات في السنوات السابقة و تعد نسبة العاملين غير الرسميين عالية بشكل كبير في قطاعات الزراعة والبناء وتجارة الجملة وتجارة التجزئة لكنهم لا يرتكبون عادةً أي تجاوزات فهم يحاولون كسب لقمة العيش لهم ولأسرهم في اقتصاديات فقدت القدرة على توليد فرص عمل رسمية وأصبح كثير منهم الآن من الفقراء الجدد و معرضون للانزلاق إلى دائرة الفقر المدقع وينطبق الشيء نفسه على المشروعات الصغرى والصغيرة غير الرسمية و لكن رغم ذلك تبحث الحكومات عن حلول لإضفاء الطابع الرسمي على القطاع غير الرسمي وكذلك تهيئة بيئة مواتية لأنشطة الأعمال في القطاع غير الرسمي . 
و يبدو من اعلام المؤسسات الدولية ان الهدف الأساسي من دمج الاقتصاد غير الرسمي هو تحصيل الضرائب لدعم حكومات العالم الثالث من اجل دعم برامجها الاصلاحية علي حساب مواطنيها و لرفع الحرج عن المؤسسات الدولية و الدول الرأسمالية التي تسيطر علي الموارد و الأسواق لذا فالاقتصاد غير الرسمي في موضع اتهام دائمًا عند كل تراجع للإيرادات العامة للدول من الضرائب لكن تبقي هناك حقيقة ان هناك شبكة من العلاقات المتبادلة بين النشاطين الاقتصاديين رسميين تكونها أنشطة الاقتصاد غير الرسمي و هو يمثل جزءًا طبيعيًا من الهيكل الاقتصادي لسوق تسوده الأجور المتدنية في ظل الازمات  لذلك نجد ان الانتقال من الوضع الرسمي إلى الوضع غير الرسمي تدريجي ويعمل الناس في الاقتصاد غير الرسمي إما لأنهم مستبعدون رغما عنهم من القطاع الرسمي بسبب افتقارهم للمؤهلات أو لوجود عراقيل أخرى تحول دون دخولهم في القطاع الرسمي ولان هناك ايضا فوائد شخصية واجتماعية من العمل في الاقتصاد غير الرسمي و هذا غير منطقي حيث انه في بعض الأحيان يتنافس الاقتصاد غير الرسمي مع القطاع الرسمي و مع ذلك يصب إنتاج الاقتصاد غير الرسمي لفائدة الاقتصاد الرسمي و بدون حدوث زيادة ملحوظة في الاستثمار في القطاع الخاص  لن تتمكّن الحكومات من استعادة زخم النمو الاقتصادي خصوصا بعد التراجع في الاستثمار بتعقيد عملية الانتقال الاقتصادي وفق المتغيّرات السياسية والاجتماعية الجديدة نتيجة للقصور والضعف المزمن في تقديم الخدمات العامة الناتج عن الازمات العالمية المتكررة والنمو ولم يحقق سوى قدر محدود من النواتج الاجتماعية الإيجابية وضعف المنافسة ونقص الشفافية 
و لازال هناك تحديات كبيرة من حيث معدلات الفقر المرتفعة في العالم ونقص الفرص المتاحة لخلق وظائف مستدامة  وكلما ارتفعت معدلات الضرائب  تتجه الدوافع وتتزايد الحوافز لدى الأفراد والشركات نحو المخاطرة والتحول للاقتصاد الخفي و أيضا كلما استمرت مستويات الدخل في الانخفاض وبالتالي سوف يستمر التدفق من الموارد المحوّلة من الاقتصاد الرسمي نحو الاقتصاد غير الرسمي مما يؤثر ذلك بدوره على الكفاءة الاقتصادية وفي ظل هذا الوضع تصبح المنافسة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي غير عادلة بالشكل الذي يمكِّن الاقتصاد غير الرسمي من اجتذاب أكبر قدر ممكن من الموارد المكاسب التي يتم تحقيقها في الاقتصاد غير الرسمي ثم يتم إنفاقها مباشرة في الاقتصاد الرسمي 
كما تعمل علي توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل في الاقتصاد الرسمي  
وكذلك تقوم بتقديم السلع والخدمات بأسعار أقل مقارنةً بأسعار السلع والخدمات التي يقدمها الاقتصاد الرسمي 
 


عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي