X
X
X
X

دماء عربية على أرض النيل

مؤتمر الخميس 03 أكتوبر 2019 الساعة 05:02 صباحاً

 "إن غابت مصر فقل على العرب السلام، وإن غابوا عنها تصبح كرة معلقة في الفراغ، وهذا ما لا يليق ببلد يحترف صناعة التاريخ والحضارة." المقولة للمؤرخ اليمني لطف الله جحاف، المعاصر للغزو الفرنسسي لمصر.

أراها، دائما، بوتقة لدماء أمتها، كما هي لثقافاتها، بتنوعاتها. لا اتحدث عن نماذج بدت فردية وترسخت في ذاكرتنا، من سليمان الحلبي لجول جمال، دافعت بروحها عن أرض النيل، بل عن "حشود" غادرت وطنها، لتدافع عن وطنها الثاني، مؤمنة، حتى قبل تبلور الخطاب القومي، بوحدة المصير والعدو.
الوقائع التاريخية موثقة وتحتاج لمؤلفات، وحتى لا نتوه بينها، نتوقف عند حدثين فارقين، كلا منهما ضمن سياقه، في تاريخ مصر وأمتها العربية.
الأول، الغزو الفرنسي لمصر. مقارنة بتقهقهر المحتلون القدامي، الترك، أمام الغزاة الجدد، يوثق الجبرتي، في "مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس"، ليس فقط مساهمة مئات العرب الدارسين بـ أروقة الأزهر، بل تدفق ألاف المتطوعين العرب على المحروسة لمقاومة غازيها. فقرة مكثفة، حملها الصحافي حمدي عبد الرحيم، منقبا بين كتب أرخت للمدد القومي الذي انتفض دفاعا عن قلبه، ولنجدة أخوتهم المصريين، بعد أن زلزلتهم أخبار تدنيس أراضي المحروسة.
أبرز الموثقات هنا، مخطوط للمؤرخ اليمني لطف الله جحاف بعنوان «درر نحور العين في سيرة الإمام المنصور وأعلامه الميامين»، حققه الباحث في الشأن اليمني مصطفي سالم. قال جحاف في مقدمته أنه كتبه ليضع تحت عيني حاكم اليمن "حقيقة يجب ألا تغيب"، هي المقولة التي تصدرت مقالتنا.
غالبا، كان يستحثه على دعم حملات اليمنيين، التي لم تكتفي بالدعاء لنصرة القاهرة، فحمل القادرون منهم السلاح إلى مكة ثم المدينة، لينضموا إلى إخوانهم المتطوعين من الحجاز والشام والمغرب، المتواجدين فيها للتجارة أو لأداء المناسك. تكونت كتائبهم الأبرز بقيادة الأخوة محمد وطاهر وحسن الجيلاني، ليعبروا البحر الأحمر إلى القصير بمصر، قاد الأول 4 ألاف متطوع والثالث ألفين.
وكما كانت مساهمة "عرب الأزهر" فاعلة بمعارك القاهرة، خاصة في بولاق، كانت بصعيد مصر، ليستنجد "ديزيه" قائد الاحتلال في الوجه القبلي بنابليون: "نخوض معارك عسيرة مع الفلاحين والمتطوعين المكيين، وكأننا على حافة العالم، نفتقر لكل شيء". "ديزيه" نفسه تلقى من "بليار" قائد الاحتلال في قوص عن معارك عانتها قواته من بيت لبيت، يقول: "أمرت باقتحام البيت وشق الطريق إلى باحته، وإحراقه، فهبط المكيون منه عراة، يمسك كل منهم سيفًا بيد وبالأخرى بندقية، ويطلقون النار على جنودنا ويحاولون إطفاء النار بأقدامهم".
ينقل عبدالرحيم في موقع أصوات، 9 سبتمبر 2019: برع المتطوعون العرب في المعارك "النهرية"،حاصروا السفينة الفرنسية الأحدث "موراندي" بصنادل نهرية، فأمر قبطانها بحرقها حتى لا تصبح غنيمة للمكيين، الذين عادوا من مياه النيل ببحارتها أسرى. ومن الصعيد انتقلت كتائب المتطوعين العرب إلى القاهرة والدلتا، مواصلة مقاومتها للغزاة مع المصريين، حتى انسحابهم.
الحدث الثاني تتجدد ذكراه هذه الأيام، نصر أكتوبر 1973, فمع الحديث عن مواجهة "العدو المشترك"، يتقدم دعم الرئيس الجزائر الراحل، هواري بومدين، المفتوح، ومؤتمر الخرطوم، الذي شهد المصالحة بين القاهرة والرياض، وإقرار خطة لتغطية خسائر "دول الطوق"، وإعادة تسليح جيوشها، لكن كثيرون من المصريين لا يعرفون ان مقابر جيشهم تحتضن رفات شهداء من 8 دول عربية، تخضبت بدمائهم الطاهرة أرض القنال.
يُقدر اللواء د. إبراهيم شكيب، المحلل العسكري، الذي شارك في حروبنا من 1956 حتى 73، عدد المشاركين العرب في العبور بما بين 8 -10 ألاف مقاتل. شكيب كان رئيسا لعمليات منطقة البحر الاحمر خلال أكتوبر.
نقول "يُقدر"، لأنه لا توجد أرقام رسمية معلنة، ولا توثيق معتمد للوقائع. وعلى من يريد أن يدقق أن ينقب في حوارات وتقارير وروايات وشهادات شخصية، تتفاوت بين المبالغة في حجم ونوعية المشاركة، وبين نفي تام لحدوثها، من مصريين.
لـ"الأهرام العربى"، 6 أكتوبر 2012، يُفصّل"شكيب" نوعيات المشاركة وفق معطياته: الجزائر.. 3 أسراب جوية، وصلت في 9 و10 و11 أكتوبر، ولواء مدرع.. ثم لواء ثان في 17 أكتوبر. ليبيا.. 2 سرب ميراج، ولواء مدرع. العراق.. سرب هوركر هنتر. المغرب والسودان.. لواء مشاة. الكويت وتونس.. كتيبة مشاة. وعلى الجبهة السورية، شارك العراق بـ 4 أسراب جوية وفرقة مدرعة وآخرى مشاة، والأردن بـ 2 لواء مدرع، والمغرب بلواء مدرع. وعلى الجبهة الأردنية.. تمركز لواء مدرع سعودي.
هذا ليس جرد دقيق، فالقوات السعودية تمركزت في الجولان بكافة أسلحتها، من الطيران للخدمات الطبية، ويُذكر لها معركة "تل مرعي" يومي 20، 21 أكتوبر. ومشاركة تونس والكويت، قدرتها مصادر آخرى بلواء مشاة. التونسي كان بقيادة اللواء ورئيس الأركان، فيما بعد، عبد العزيز سكيك، الذي اُستشهد في تحطم هليكوبتر عسكرية 22 يناير 2002، مع 13 من أركان الجيش التونسي، في جريمة معلقة في رقبة الرئيس المعزول زين العبدين بن علي، ومطابقة لإغتيال الشهيد المصري أحمد بدوي، وزير الدفاع حينها، و13 من قيادات جيشه، مارس 1982.  بدوي كان قائدا للجيش الثالث الميداني خلال أكتوبر، وتواترت روايات عن تصفيته بأوامر من انور السادات.
توقفت عند المشاركة الكويتية، فقد بدأت مع 4 يونيو 1967، ثم سرب جوي، عام 1970 . تحمل ثلث جيشها، لواء اليرموك، الهزيمة معنا، وشارك في حرب الإستنزاف، التي جًرح فيها الشهيد فهد الأحمد الصباح، الذي سيتولي إخراج ياسر عرفات من الأردن خلال "أيلول الأسود"، ويستشهد أثناء مقاومته غزو صدام حسين لوطنه. و"اليرموك" وهب تراب مصر 29 شهيدا كويتيا في حربي الإستنزاف وأكتوبر، وعناصره كانت أول من رصد الثغرة. الثلث الثاني من الجيش الكويتي، لواء الجهرة، انضم للجبهة السورية قبل الحرب بأشهر. وسنويا، تنظم السفارة المصرية في الكويت، حفلا لاحياء ذكرى الـ29 شهيدا، وتستقبل مقابر الجيشين، الثاني بالإسماعيلية، والثالث بالسويس، عائلاتهم.
ومع بدايات يوليو 1967، انضم للجبهة المصرية جيش التحرير الوطني الفلسطيني، ولواء مشاة جزائري، وآخر سوادني، سُحبت احدى كتائبه مع محاولة انقلاب هاشم العطا، يوليو 1971، لحماية الخرطوم، ثم عادت للجبهة، أغسطس 1972.
في حديث المشاركة، نقرأ أسماء قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، والجزائري عبد المالك ڤنايزية، وزير الدفاع حتى سبتمبر 2013، وقايد صالح.. حاكم الجزائر الفعلي الآن. ونسمع مناشدة للجيش المصري من عميد عراقي متقاعد، غزوان عدنان، شارك في الضربات الجوية الأولى مع 14 من مواطنيه، بإستعادة الأوسمة التي كرمته بها القاهرة، خاصة نجمة سيناء، وأجبره صدام حسين، مع أقرانه، على ردها بعد كامب ديفيد. متمنيا ألا يموت قبل ان تعود لتزيين صدره.. "فهي من مصر"، وفق تعبيره لفضائية إم بي سي، سبتمبر 2012.
يوما ما، لا أراه بعيدا، سيحتضن استاد القاهرة عائلة "غزوان"، وكل من شاركونا الهزيمة والنصر، وأقارب من استشهدوا أو رحلوا، فمصر لا تنسى فضّل من وقف معها وقت الشدة.


عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي