X
X
X
X

"هوت ماروك" للكاتب الصحفي ياسين عدنان تشقّ طريقها إلى العالمية بفضل الترجمة

مؤتمر الجمعة 06 نوفمبر 2020 الساعة 08:54 مساءً

 كتبت : فرح احمد

عندما يستثمر الناشرون في أعمال روائي غير معروف، فعادةً ما يكون ذلك بسبب اقتناعهم أن العمل رائعًا وفقًا لإستشعار رادار "الجودة" أو "الجاذبية التجارية". وتلعب قضية الجودة الذاتية كذلك دورًا كبيرًا في قدرة بعض الروايات على إثارة الناس أكثر من غيرها. إذ تأسر خيالهم  ويروّجون لها في حين تلقى كتابات عديدة استجابة فاترة من القرّاء. وربّما قد جازف الناشرين المصري والمغربي برواية "هوت ماروك" التي صردت عن دار العين للنشربالقاهرة ودار الفِنِك بالدار البيضاء لكن الترجمة الفرنسية والتي نشرت في 2020 والترجمة الإنجليزية التي ستطرح في أوائل 2021 تؤكّدان على أنّ الرواية حقّقت نجاحًا شاسعًا لأنّ العالم الذي صوّرته يبدو حقيقيًّا وقابلاً للتصديق.
"هوت ماروك" رواية تنسخ حكايات فترة زمنية في المغرب من السبعينيات إلى التسعينيات. لكنها رواية زمننا الحالي ومجتمعنا العربي الآني أيضًا. وهي تتطرّق إلى قضايا عديدة من خلال شخصية رحّال التي لها أطياف متعددة منها ماهو واقعي وأخر إفتراضي. رحّال العوينة بطل الرواية لكنه من غير الصّواب وصفه بالبطولة لأنه شخص شديد الجبن والإنطواء. يعاني فوبيا الموت التي أنشأت لديه بالتدريج فوبيا الحياة. فمرّ بجانب الحياة ولم يملك الشجاعة لتولّي زمام الأمور التي تحيط به إلاّ من خلال العالم الإفتراضي الذي اكتشفه لاحقًا ومنحه فرصة تقمّص أدوار لا يجرؤ لعبها على أرض الواقع. غير أنّ أهم منعطف في ذروة الرواية هو عجز رحّال عن الحفاظ بإنفراده بعالمه الإفتراضي. حتى تلك الأدوار السيبرانية أصبحت تُملى عليه لخدمة أغراض خارجة عن سيطرته. 
تعتبر الرواية شاملة غنيّة بالأحداث والطرائف حيث تتطرّق إلى قضايا أدبية ومجتمعية وسياسية مختلفة من خلال مزرعة حيوانية لم يصنّفها رحّال على شاكلة "مزرعة حيوان" جورج أورويل. لكنه اختار لكل شخص في حياته تصنيفًا حيوانيًا إمّا من القوارض أو الثدييات أو غيرها من الكائنات حسب قرائته لملامحه الجسدية. وينال رحّال النصيب الأكبر من الرواية التي تسلط الضوء على التحديات الجسدية والعملية والعاطفية التي تواجهه خلال مشوار حياته الذي بدأه من طبقة دون مستوى خط الفقر وتدرّج بعدها إلى الطبقة المتوسطة. وتكشف حبكة الرواية خبايا مختلف الطباقات الإجتماعية في المغرب وما ينجم من مواقف وصراعات واستغلال نتيجة إحتكاكها ببعضاها البعض. كما تتناول الرواية تطوّر العملية التعليمية عبر العقود من زمن كانت فيه الطاعة أهم من التعلّم والتحصيل إلى أن أصبح المدرّس مداساً للتلاميذ وأولياء الأمور. هذا بالإضافة إلى حيثيات التعليم العالي والنشاط الطلابي السياسي الذي يواكب ذلك. وبما أن المرحلة التعليمية من أهم مراحل أي إنسان عامة ورحّال خاصة لم تغفل الرواية الإشارة إلى أن من أسس التعايش مع تلك المرحلة بسلام هو حرص الطالب ألاّ يكون متميّزا سواء بشكله أو لبسه أو غبائه أو حتى ذكائه وإلا أصبح عرضة للتنمّر. ولأنّ الجنس جزء لا يتجزّأ من حياة الإنسان. فقد نالت العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل نصيبها في الرواية تارة بشكل جدي وآخر فكاهي ممتع من خلال حوارات غرفة النوم. والمثير للاهتمام في الأحداث أنه رغم إنطوائية رحّال وحرمانه العاطفي طول حياته إلاّ أنه سعى بما توفرّ له من إمكانيات للإطلاع على كفية إشراك زوتجه في لحظة متعة متبادلة يوم زفافهم. إلاّ أنه يصطدم بموروث يحرّم تلك المتعة ويجعل مهمة المرأة الأساسية إشباع غرائز الرجل الذي بدوره تصيبه خيبة الأمل ويدفن توقّعاته عن العلاقة الحميمية في مكان قد تنبشه يومًا ما فتاة ليل أو عشيقة أثناء جلسات الأنس.
ونتيجة لذلك الفشل ومواكبة لمتطلبات العصر، أنشأ رحّال علاقة حميمية مع الكيبورد تفنّن الكاتب في وصفها حرفًا حرفًا ونقرة نقرة لتواصل الرواية أحداثدها نحو كريشاندو الإثارة والمتعة الدرامية. وتستمر رحلة القارىء مع معجم يفكّ رموز فآت إجتماعية مختلفة تقطن شوراع مراكش وأزقتها العتيقة. مراكش التي تحتضن الجميع وتتخبّط في مشاكل الهجرة والعنصرية والدعارة والصراعات الإنتخابية. وتفقد تدريجيا جماليتها بسبب جشع المقاولين وفهلوة المواطن الضعيف الذي يبحث عن الحصول على أي سبّوبة بوضع اليد أو البلطجة دون الإكتراث لحقوق الملكية. وبينما ينهمك القارىء في الكشف عن خبايا كل تلك الشخصيات تأخذ الأحداث منعطفا آخر بظهور العنصر المخباراتي في الصورة والذي أخرج رحّال من موقع المتفرّج الذي كان يستأنس به.
وتتواصل مفاجآت "هوت ماروك" إلى نهايتها عبر خيوط نسجت بإحكام تنطق بالجدّية الدرامية وروح الفكاهة العالي الذي يجعل القارىء يستمتع بسطورها من البداية إلى النهاية خاصة وأنها تمزج بين أسلوب لغة عربية عصرية وحوارات وإصطلاحات بالعامية المغربية تصبّ في اتجاه توازن البناء السردي. وقد استطاعت الترجمة الفرنسية أن تخلص للنصّ الأصلي بإعادة خلق لجو الرواية الأصلية من حيث السخرية والفكاهة والتلاعب بالكلمات والكشف ضمنيًا عن خطوط الحبكة بمهارة تضاهي أسلوب النسخة العربية. كما توفّر الترجمة للقارىء الأجنبي رؤية رائعة عن الحياة في الثقافات العربية في محاولة لتشكيل فهمه للعالم العربي بعيدًا عن عناوين الأخبار. لهذه الأسباب مجتمعة يجب الإشادة بمثل هذه الجهود لتبادل المعرفة من خلال الترجمة في عالم سريع الخطى مليء بسوء الفهم.
 
 


عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي