X
X
X
X

الجزيرة الملعونة وإعلامنا المدجن ... بقلم محمد طعيمة

مؤتمر الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 الساعة 03:17 صباحاً

 بعد 25 يناير تراجعت مشاهدة الجزيرة بشدة، ببساطة لأن المصريين وجدوا في قنواتهم المحلية ما كانوا يبحثون عنه فيها، ومع انكشاف موقفها كأداة لعشة موزة ومن يحركها ضد "الدولة المصرية"، غرقت القناة القطرية وفقدت مصداقيتها، ولم يعد تجاهل المصريين لها قاصرا على أن لديهم ذات المنتج محليا، بل أيضا نفورا منها.

بعد 25 يناير، تصادف أنني كنت متابعا/شاهدا على مشروع اقترحه الأستاذ حمدي قنديل على اللواء طارق المهدي، مع توليه مسئولية ماسبيرو ومعه الملف الإعلامي عامة، لاستعادة الطيور الإعلامية المهاجرة، أحدهم هو من صنع الجزيرة ثم بي بي سي العربية ثم العربية، وضبط المنظومة الإعلامية كلها. بدأت الاتصالات واللقاءات والعروض فعلا، غير ان صراعات المجلس العسكري أطاحت المهدي.. ربما من أجل هذا المشروع تحديدا، وبدلا من ذلك وضعت خطة لـ الهيمنة "طفشت" أخرين إلى قنوات "العدو" لتضيف له قوات مهنية أكثر.
بعد 30 يونية اقتصرت مشاهدة القناة الملعونة، فعلا، على داعمي الإرهاب وقلة محدودة.. عشرات أو مئات من المتثورجين أو متطرفي التوابل، وتدريجيا لم تعد الجزيرة وحيدة، انضمت لها شبكة القنوات اللعينة التي نبث من تركيا أو لندن، حيث مقر الجهاز الخالق والمحرك للإخوان، ولم تنجح في البداية في اجتذاب دوائر خارج خرفان البنا ومتطرفي التوابل.
مع ما اعتبره النظام تدجينا للمنظومة، بدأت أدمغة المصريين تعود لهجرة إعلامها إلى منصات "عدو"، فهي لم تعد تجد المنتج الذي تريده على قنواتها المحلية، وتزايدت المنافي الذهنية، لتشمل ملايين نفروا من إدوات إعلامية لا تكتفي بتجاهل منتجات تهمهم بل تعتقد ببلاهة انها تستطيع أن تبيع لهم منتج يفارق/ يناقض واقعهم، بدت كـ عبيط قرية يحاول أن يضحك على سكانها بسذاجة متوقعة منه.. ولا يعي أنه "عبيط من أصله" وينتظر منهم أن يظلوا مشدودين لما يقوله، بينما هناك من يبيع لهم ذات المنتج بحرفية نسبية.
قبل يومين رجعت أتابع الجزيرة متأخرا عن ملايين لـ أعرف ما يُعتم عليه "لاإعلامنا" من أخبارنا، فحتى لو جاء لي ملونا بـ عداوة موقن انها تضمرها تجاه بلدي، لكني يمكنني كـ مهني فرزها، ومئات مثلي من المهنيين وألاف ممن يمكنهم فرز ما يبث فيها من "سموم" ضد البلد، نظل قلة محدودة بين ملايين المصريين، الذين إن بدأوا التوجه لها بحذر، تدريجيا سيفقدون هذا الحذر وتبدأ قطاعات منهم في التوحد مع خطابها، ليصبح خطاب الإرهابيين مقبولا.. وربما تبنوه كلهم أو قطاعات واسعة منهم.
هكذا لم تأت خطة "الهيمنة" على الإعلام بحماية لـ اللانظام، دعك من أم الدولة وأم مصر، بل دفعت خزينه البشري دفعا إلى حضن عدوه هو، دعك تاني من أنه عدوا للدولة ولمصر. يعني ببساطة انفق عشرات مليارات الجنيهات لـ يخدم عدوه ويمكنه منه. ومن يدقق بوعي في حالنا الإعلامي.. سيجد المؤامرة الاخطر ضده هي ما فعله بنفسه وليس ما يروج له جهلة إعلامه.
نفس السيناريو "التدجين" فعله بوتين مع إعلام بلده، لكنه فعله بحرفية وعقل، واعيا أنه يدجن الدواجن لا يقتلها ولا يعقمها لتصبح غير قادرة على التفريخ وأداء ما خلقت من أجله. مثلا الإذاعة الأكثر استماعا في موسكو هي مستقلة قبل، وبعد، وصوله للحكم، ورغم تضييقه النسبي عليها تركها تكبر وتنتعش، رغم انتقادها له، وهكذا في باقي السياق.. فحتى هيمنته على قنوات وصحف اعتمدت المهنية والحرفية وهي تبث خطابه لشعب هو يتمتع فعلا بأغلبية فيه. نفس الحرفية طبقها مع الشرطة ومع كل دولابه، رغم انني مع كثيرين لا أراه نظاما ديمقراطيا، لكنه حتى في شموليته.. يعي ما يفعله وتفادى ان يقتل أسلحته ومنحها ما يسمح لها بالحياة.
هذا بالضبط ما كان عليه إعلام الستينيات، الذي تمناه السيسي عن جهل، ففي سياقه يوثق التاريخ مساحات تنتقد بقسوة النظام الناصري. كانت قاعدة عبدالناصر مع هيكل الأولى: اترك من يكتب.. ومن يبدع من دماغه ولا يتحرك ضمن "تنظيم"، وليس "ضد النظام" بل يريد تصويبه. لهذا نجد عشرات الحالات التي عبرت بحرية عن رأيها ضمن منظومة النظام نفسها.
كثيرون، مثلا، لم ينتبهوا إلى ان أبرز روايات محفوظ التي انتقدت النظام بقوة واعتمدت عليها الردة السادمباركية في تشويه التجربة الناصرية فيما بعد.. كلها نشرت في الأهرام.. الأكثر توزيعا وتأثيرا، وبحماية من هيكل ومن عبدالناصر شخصيا، وكان رده الدائم على عبدالحكيم عامر وأقرانه: "عندنا فعلا أخطاء يجب تصويبها". ولدينا مقالات أحمد بهاء الدين في المصور، التي عينه ناصر رئيسا لتحريرها رغم علمه بانتقاده لبعض سياساته الداخلية وتضامنه، مثلا، مع مظاهرات الطلبة ضده وتبنيه لها في بيان علني، وهي مقالات متاحة في كتاب.. ولن يجرؤ إعلام السيسي على إعادة نشرها. ولدينا الأفلام التي اعترضت عليها الرقابة وحين شاهدها عبدالناصر سمح بعرضها كلها، ولدينا تعليقه على "شئ من الخوف": "لو أنا زي عتريس.. يبقى استاهل الحرق فعلا". ولدينا اصرار هيكل على عدم فصل مصطفى أمين إلا بإجراء قانوني رغم تأكيد ناصر له انه متورط في قضية تجسس موثقة تسجيلاتها، وكان رده عليه: "حين يذهب للمحكمة ويدان.. يفصل"، وحين صدرت ثلاث قرارات بابعاده عن الأخبار.. دخل هيكل كتفه بكتفه المؤسسة تحديا لـ تجاوز رىه من عبدالناصر في حق المهنة، أو المهمة التي كلف بها.. هذه وقائع موثقة، ولدينا.. ولدينا.. الخ.
القاعدة الثانية في إعلام الستينيات.. احترام المهنية، ودائما ما استعيد رد الراحل فتحي غانم على سؤال الأستاذ نبيل عمر.. كيف ابدعتم كل هكذا رغم كل ما يقال عن بطش النظام؟ الرد: "المعادلة بسيطة.. كنا بنشتغل صحافة والأمن بيشتغل أمن". المعني ان ناصر ترك العربة تعمل بحرفية لتحقيق الهدف منها، وبعد ذلك كانت أليات نظامه الامنية تتحرك لتحجيم ما تراه خطرا على البلد، صح تقديرهم للخطورة أم أخطأ، دون ان تؤدي تحركاتها لعرقلة العربة ذاتها.. حتى لا يضيع الهدف. لهذا كانت الدولة المصرية ناجحة في حماية شعبها من الإعلام المعادي، وأن تصبح الأهرام بين أكبر عشر مؤسسات صحفية في العالم، وأن تصبح ليس فقط الأكثر تأثيرا في المنطقة.. بل الأكثر توزيعا في كل بلد يسمح بدخولها قبل جرائدها المحلية. ولهذا عندما تشاهد ماسبيرو زمان، مثلا، لن تشعر ان ما ورثنا هذه الثروة كان إعلاما موجها.
لو كان إعلام الستينيات وفق ما فهمه السيسي، لأصبحت أدمغة الشعب المصري والأمة العربية، وقتها، أسيرة لـ صوت إسرائيل ولإذاعات الغرب المعادية لنا.
قواعد إدارة العربة، أي عربة، واضحة.. لها تقنياتها، بدونها لن توصلك إلى ما تريده. ستظل مشلولة في مكانها، أو تعود للخلف، أو تتحرك مرتبكة خارج سياقها التقني وتنقلب بك.. وتقتلك.
"على الهامش، حتى الإعلام الرياضي.. مصر الوحيدة في المنطقة المؤهلة للهيمنة عليه، لتمتعها بـ سوق واسع داخليا ومحيط ثقافي يتقبلها، ولانفراد 2- 3 من أنديتها بشعبية حقيقية خارجها"


عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي